وباء كوفيد 19 غيّر الطريقة التي كان يصلي بها المؤمنون الإيطاليون ويعيشون بها حياتهم المسيحية وسط أمة تموج بأكثر من 000ر13 حالة وفاة ـ أعلى حصيلة في العالم ـ من بين 500ر110 حالة مؤكدة، محتلة بذلك الترتيب الثاني بعد الولايات المتحدة (بدءًا من 1 أبريل).

لم يعد باستطاعتنا التجمع في أيام الآحاد أو في البيوت خلال فترة الإغلاق التام. الجلسات الاجتماعية والسفر وحفلات الزفاف معلقة مثل معظم الأشغال. لو تم ضبط شخص خارج منزله بدون سبب مقنع سيضطر إلى دفع مخالفة ضخمة.

لكن فترة العزل هذه ساعدتنا في اكتشاف ثلاثة وجوه للصلاة كثيرًا ما تجاهلناها في أوقات الوفرة.

صلاة الرثاء

كانت مزامير الرثاء تشعرك بالمبالغة في مشاعرها منذ شهر مضى. فمثلاً شكوى "آساف" بأن الله سقاهم الدموع بالكيل كانت تبدو مبالغ فيها، وصرخة "داود" إلى الله "إلى متى تحجب وجهك عني؟" كان شعوراً متباعدًا وباردًا.

ولأن كل البشرية الآن تكافح لتحتوي وباءً يثير الخوف والجزع، فإن الرثاء أو النواح يبدو قريبًا من كل واحد منا. في مارس 2020، يبدو المزمور 44 مناسباً جداً:

استيقظ. لماذا تتغافى يا رب؟

انتبه. لا ترفض إلى الأبد.

لماذا تحجب وجهك

وتنسى مذلتنا وضيقنا؟

لأن أنفسنا منحنية إلى التراب

لصقت في الأرض بطوننا.

قم عونًا لنا

وافدنا من أجل رحمتك.

عانى عدد قليل من المؤمنين الغربيين من الفقر أو الظلم أو الاضطهاد. عادة تعكس عبادتنا الحالات المزاجية للأفراد الأذكياء في أوقات الرخاء والسلام: الهدوء والوسطية. إننا نعاني كأفراد لكن نادرًا ما تقوم عبادتنا الجماعية على الاحتجاج والحزن أمام الله.

الرثاء هو صرخة ألم تحولت إلى صلاة. إنه عبادة أناس يشعرون بعدم التوازن والغربة. وتاريخيًا كان صلاة الأقليات والفقراء والمضطهدين ــ من قساوسة صينيين في زنزانات السجون وعبيد سود يغنون للعدالة ومجيء المسيح.

وإذ كان الرثاء شعورًا غريبًا لمعظم الإيطاليين منذ شهر مضى، فقد وجد القساوسة أصداءً غريبة من قصص كتابية في الأحداث التي تجري في البلاد الآن. "رؤية زوجات لا يستطعن أداء طقوس جنازات أو توديع أزواجهن المتوفيين يذكرني كيف دُفن الرب يسوع سريعًا وعادت النساء للقبر لتدهن جسده بالأطياب" هكذا أخبرني "جاتانو دي فرانشيا" مدير اتحاد الكنائس المسيحية في "إيطاليا". "عدم إعطاء هؤلاء النسوة شعوراً بأن هذا المشهد قد إنتهى بشكل مقبول سوف يؤدي إلى حزن أكبر".

قد تثبت لغة الرثاء بأنها واحدة من الدروس المرة الحلوة التي يتعلمها المسيحيون من هذه الأزمة. فهي قد تساعد المؤمنين على نسيان روحانية المركز وتعلم روحانية الهوامش (كما يقول القس "آبراهام تشو").

صلاة الشفاعة

لم أمض قط جزءًا كبيرًا من وقتي في الصلاة متشفعًا لأجل الآخرين. أشعر بالخجل من الاعتراف بأني في الماضي كثيرًا ما أخبرت الآخرين "سأصلي لأجلك" ثم نسيت القيام بذلك.

لكن إذ يجتاح الآن هذا الفيروس "إيطاليا"، تأثرت بصور الأطباء الذين يعلو وجوههم التعب والارهاق والناس منطرحين على أسرة المستشفيات. أصيب أحد أعضاء كنيستنا بوعكة صحية لكن غرفة الطواريء لم تستقبله لأنها كانت تعج بحالات كثيرة مصابة بفيروس الكورونا المستجد.

لا أستطيع مقابلته أو وضع يدي عليه نظرًا لحالة العزل الحالية لكني صليت كثيرًا لأجل شفائه. وصلينا ككنيسة لأجل الأطباء وأنشأنا صندوقًا لمساعدة المحتاجين ماديًا وصُمنا من أجل بلدنا أيضًا.

أزمة الكورونا وحّدت طائفة الإنجيليين الإيطاليين الذين حددوا يومًا وطنيًا للصلاة وكان يوم الأحد الماضي (22 مارس). "تقابلت جماعات الخمسينيين والإصلاح والوسليين والمعمدانيين وغيرهم عند قدمي الرب متحدة بالروح القدس" كما قال لي "جياكومو سيكوني" رئيس الرابطة الإنجيلية الإيطالية.

أخبرني "ليوناردو دي شيريكو" نائب رئيس الرابطة قائلاً: "الأمر يبدو كأن الله أعد القادة والطوائف من جميع أنحاء البلد ليجتمعوا بالصلاة لأجل وطنهم ولأجل الكنيسة، كان هذا أسهل حدث يمكن تنظيمه. لم يكن هناك أحد بحاجة للاقناع. الكل كان متحمسًا له".

وقد أكّدت "ميلا بالوزي" قسيس من رعيتي بكنيسة "هوبيرا" في "روما" على أن جميع الإنجيليين أرادوا الاجتماع معًا.

وقالت: "في أرض الموعد رأى بنو إسرائيل أنفسهم كمجموعة من القبائل في حالة عزل كأمة واحدة. وهكذا "إيطاليا": تُجَمع هذه الأزمة الكنائس والقبائل ليصلوا كجسد واحد لأجل بلدنا".

إنه رمز لروح الوحدة والشفاعة الذي ينتشر حول العالم. مثال: يوم الأحد القادم (29 مارس) سيدعو الاتحاد الإنجيلي العالمي ليوم عالمي للصوم والصلاة.

صلاة الصمت

ومع ذلك فإن كآبة هذه الأخبار وانتشار الألم حول العالم هذه الأيام يجعلانا نشعر بالرغبة الملحة في الصلاة. كيف يمكن لصلواتي أن تُستجاب في هذه اللحظة؟ ردنا الأمين هو "يا رب، أشعر بحيرة شديدة. لا أعلم ماذا أقول".

عندما رأيت عربات الجيش تنقل جثث الموتى استعدادًا لحرقها لأنه لم تعد هناك أماكن بالمقابر في أجزاء كبيرة من "إيطاليا" فقدت القدرة على الكلام.

لكن انتظار الرب أمر صحيح. ووضع ثقتنا الصامتة فيه صلاة شرعية. حين كتب "بولس" عن ضعفاتنا ومعاناتنا الحاضرة أضاف:

"لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي. ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها. ولكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح، لانه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين" (رومية 8 : 26 ـ 27).

حين لا يسعفنا الكلام يمكننا أن نصمت ونعرف أن الله هو الله.

"اخترنا كأسرة أن نملأ سكوتنا المليء بالشكوك بتأكيدات مواعيد الله الأمينة" قال "ستيفانو بيتشياني" واعظ بكنيسة "ستاديرا" بـ"ميلانو". "إعلانات "آساف" عن الثقة في مزمور 73 ـ "ولكني دائمًا معك" ـ تزود صلاتنا بالكلمات".

إننا نأمل بصدق العودة إلى الحياة الطبيعية والعبادة الجماعية. تخيلوا إحتفالات النصر والأيادي المرفوعة!

عندما ينهزم هذا الوباء سيجتاح الكثيرين شعور بالراحة كما في مزمور 126 "الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج" وبالفرح كما في مزمور 150 "كل نسمة فلتسبح الرب".

ولكن إلى جانب الاحتفالات سيكون من الحكمة أن نتذكر الصلوات التي رفعناها في وقت المرض. ليت هذا الوباء يُخضع قلوبنا ويعلمنا صلوات الضعيف والمهموم والصامت.

"رينيه برول" هو القس المؤسس لكنيسة "هوبيرا" في روما، إيطاليا، وكاتب "مفارقة السعادة".

What do you think of this translation? Want to see CT do more? Interested in helping us improve our quality and quantity? Share your feedback here. Mention CT Global.