في منزله الريفي في نيوجيرسي، وضع وفيق حبيب بعناية مجموعة رسائله أمامنا، التي يبلغ عمرها الآن أكثر من نصف قرن. كتبها الراحل الأسقف صموئيل للطبيب، وكانت هذه الرسائل تمثل الاهتمام الرعوي للأسقف لمجتمع مسيحي ناشئ في الشتات بدأ في خمسينيات القرن السابق في أمريكا الشمالية. نشعر بحضور الأسقف في الكلمات التي تعطي راحة ونصائح موضوعة بقلم وورق.

قبل بضع سنوات من زيارتنا لحبيب لقراءة رسائله من الأسقف صموئيل، فتحنا بريدنا الجوي الخاص من مصر. كانت بطاقة تهنئة من الأب أبادير السرياني، راهب مسن في دير القديسة مريم المعروف بدير السريان. (في التقليد القبطي، يُشار إلى الأساقفة باسم واحد عند الرسامة ويشار إلى الرهبان باسمهم الأول والنسبة للدير الذي يخدمون فيه).

كانت البطاقة تنبعث منها رائحة الصحراء المصرية. وجدنا فيه كلمات نعمة.

رعى الأب أبادير عائلتنا في السودان قبل عقود. الآن، بعد أن تم رسامتنا (الكاتب بيشوي) حديثًا وتعييننا للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في نيو جيرسي، تلقّينا الكلمات الدافئه لرسالة الأب أبادير. فقط كلمات الأب أبادير لها قوه لتخدمنا حيث انه راعي له حياة طويلة بين جماعات الشتات.

بالطبع، إرسال رسائل من مسافة بعيدة إلى الكنائس التي زرعها قادة الكنيسة القبطية أو المجتمعات التي يخدمونها يتبع التقليد الرسولي الذي يعود إلى العهد الجديد. على الرغم من أن هذه الرسائل كانت موجهة إلى الأفراد، بدلاً من التجمعات بأكملها، إلا أنها حققت نفس الغاية: انتشار المسيحية، وزرع كنائس جديدة في أماكن جديدة، والنمو الروحي لهذه التجمعات الجديدة.

سار الأب أبادير على خطى سلفه، الأسقف صموئيل، ولذا فقد حافظ على العلاقات التي بناها من خلال كتابة الرسائل. يقع دير السريان (السيده العذراء المعروف بدير السريان) في منطقة تُسمّى وادي النطرون بين الإسكندرية والقاهرة، مركز الرهبنة القبطية الحديثة. كان بمثابة منزل للأب أبادير، حيث تقاعد ليخدم الكنائس في الشرق الأوسط وأفريقيا. بعد ثلاث سنوات من تكريسه راهبًا، اي في عام 1969 تم تعيين الأب أبادير كاهنًا وأُرسِل لخدمة الأيبراشيات في مصر والسودان. كما خدم أبراشيات الشتات القبطي في ليبيا والعراق في السبعينيات والثمانينيات قبل أن يتقاعد في الدير.

قبل عقدين من تكريس الأب أبادير راهبا، اي في عام 1948، انضم الأسقف صموئيل إلى الدير نفسه قبل أن يتم تكليفه أيضًا من قبل البابا كيرلّس السادس، بطريرك الأقباط الأرثوذكس في الإسكندرية، لتمثيل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الخدمات الاجتماعية وشؤون الرابطة المسكونية، وهو المركز الأول من نوعه (اول مرة يُسام أسقف في الكنيسه القبطيه بهذا المسمى). كما أُرسل الأسقف صموئيل لخدمة مجتمعات الأقباط في الشتات التي تشكلت في أمريكا الشمالية خلال الموجة الأولى للهجرة المسيحية المصرية في الخمسينيات والستينيات.

دخل كل من الأب أبادير والأسقف صموئيل الخدمه تحت بابوية البابا كيرلّس السادس (1902-1971)، الذي كان معروفًا أيضًا برسائله إلى مجتمعات المصلين في مصر وفي الخارج – كان ينسخ العديد من المزامير البسيطة بخط يده. نادرا ما وعظ البابا كيرلس. ولذا أطلق عليه كاتب سيرته الذاتية الكاتب دانييل فانوس لقب "البطريرك الصامت"، كعنوان في كتابه. أولئك الذين أرادوا سماع كلماته وجدوها في رسائله.

كثير من الأقباط في أمريكا الشمالية يثمنون كنز الرسائل التي أُرسِلت إليهم من الأسقف صموئيل، ويعتنون بها كذكريات حية لرعايته الرعوية بعد أن تم اغتياله عام 1981 إلى جانب الرئيس المصري أنور السادات. كثير من هؤلاء الأقباط، مثل الطبيب المتقاعد حبيب، شكلوا مجموعات من المصلين حتى تمكنوا من الحصول على كاهن مصري مدرب. رفعت الرسائل المكتوبة بخط اليد من مصر أرواحهم المرهقة. أظهر لنا حبيب جميع مراسلاته من الأسقف خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وكل منها مليء بكلمات الكتاب المقدس، وتشجيع على علاقته بالله، وعلى النصيحة الحكيمة.

إحدى هذه الرسائل، التي كُتبت أصلاً باللغة العربية في عام 1966، تتضمن الرجاء أن الطبيب الشاب قد بدأ في الاستراحة أخيرا بعد أن انتهى من الامتحان (المعادله الأمريكيه لكلية الطب المصرية) حتى يتمكن من ممارسة الطب في الولايات المتحدة. شجع الأسقف صموئيل المثابرة في تحديات نشوء حياة في بلد جديد، لكنه كان مدركًا تمامًا لمعاناة الشعور بالوحدة المستمرة في أي مكان. في عام 1953 كتب رسالة إلى حبيب يتحدث فيها عن هذا الشعور بالوحدة العميقة التي تصرخ للخالق.

كتب " كم سُررتُ بخطابك الأخير، فرغم ما يحويه من الألم، الا أنها مليئ بالأشواق الصالحه التواقة الى عشرة الله الكاملة، المتعطشة الى الارتواء من حبه العذب، والجلوس بين يديه ليل نهار".

Article continues below

وبدلاً من أن ينصح حبيب أن ينظر خارج نفسه للحصول على السند في شعوره بالوحدة، أشار الأسقف صموئيل إلى أن الشعور بالوحدة هي "شوق جيد" بمعنى أن "يسمعه الرب يسوع". بدلاً من شجب الوحدة والعزلة، كتب،

"فهيئ لنفسك التمتع بهذه الفرص كلما أستطعت أن تخلو مع نفسك. وكلما شعرت بالتهاب القلب يحركك الي الصلاة والجلوس بين يديه، فلا تأجل هذه اللحظات، انها ومضات النور تلتهب في قلبك. فكلما سنحت الفرصة فاستجب لها سريعا. حينئذ ستذوق معنى السعادة في كنف يسوع الحبيب".

واضاف، "وحينئذ أذكرني في صلاتك أيضا". وبعد ذلك، قدم له نصيحه بطريقه عملية، طلب من الطبيب الشاب أن يقوم بتنظيم وقته، وأن يوازن وقته مع الله بالوقت الذى يقضيه في العمل وفي الدراسة وفي حضورالكنيسة والقيام بالخدمة وممارسة النشاط البدني.

غالبًا ما كانت رسائل الأسقف صموئيل تتعامل مع المخاوف والمتاعب التي قد يواجهها مراسلوه، وربما بعض من مخاوف الأسقف أيضا. طلب الأسقف الصلوات من أجل خدمته المتنامية، ليس فقط في تأسيس المجتمع القبطي الأرثوذكسي في أمريكا الشمالية، ولكن أيضًا في عمله في إفريقيا. في رسالة أخرى عام 1966، كتب:

" صلوا كثيرا من أجل ضعفي، وخصوصا من أجل الخدمة في أفريقيا التي فتحها الله أمامنا بطريقته العجيبة التي لم تكن في الحساب، فبينما نحن نعد ونفكر من سنوات، اذا بنا أمام 16 شاب من جنوب السودان وغربه (بعضهم طوله مترين) "أرجو أن يصبحوا عمالقة في الايمان والاعمال أيضا" (2 كورنثوس 8 : 7 ) ... واذا بعدد 21 مدرس يدرسونهم العلوم الدينية والعلمية معا."

إن ثمرة هذا الشكل من الرعاية الرعوية من قبل الأسقف صموئيل واضحة الآن. المهاجرون الذين كتب لهم رسائل هم من ساعدوا في تأسيس الكنائس القبطية الأرثوذكسية الأولى في أمريكا الشمالية. وبعد 65 سنة فقط من صلاة الاسقف لأول قداس ليتورجي للكنيسه القبطية الأرثوذكسية في أمريكا الشمالية، بدأ أكثر من 250 كنيسه هناك، مع ما يقرب من مليون من أتباع الكنيسه.

ترعرع المھاجرون الأقباط الذین أسسوا كنائس في أمريكا الشمالية على الرعاية الرعوية المستمرة من الكنيسة في مصر، وأيضا إرسال الكهنة الي المهجر، وإشراك المجتمع القبطي مع المجتمع الأوسع. لكن العديد من المهاجرين الأوائل يشيرون إلى رسائل الأسقف صموئيل باعتبارها مصدرًا مهمًا خلال فترة الجفاف قبل عدة عقود من نمو المجتمع القبطي.

في المقابل، خدم أبادير المجتمعات في بيئات أكثر عداءً للمسيحية. في العراق، نجا من تفجير في مطار بغداد عام 1976. وفي وقت لاحق، فر العديد من الأقباط من البلاد قبل الغزو الأمريكي للعراق، مما ترك أيضا المسيحيين الأصليين في العراق عرضة للاضطهاد. اضطر العديد من الذين خدمهم أبادير في ليبيا إلى العودة إلى مصر أو الاستقرار في دول أخرى بعد الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011 والحرب الأهلية التي أعقبتها، والتي تركت ليبيا عرضة لنمو الجماعات المتطرفة العنيفة مثل داعش.

في حين لا يزال هناك شعب كبير من الأقباط في السودان، بما في ذلك أولئك الذين يخدمهم نفس الشباب السوداني الطويل الذي كتب عنه الأسقف صموئيل، غادر العديد من الأقباط الذين يسكنون في الشمال أثناء الحرب الأهلية في الثمانينيات بسبب الحرب بين الشمال والجنوب.

حافظ أبادير على العديد من هذه العلاقات على الرغم من الاضطرابات في تلك البلدان. فعل ذلك من خلال المكالمات الهاتفية والرسائل، حتى عندما جعلت التقنيات الجديدة التواصل أسرع وأكثر كفاءة. كانت الرسائل المكتوبة باليد بالطريقه القديمة من الموجهين الروحيين تحمل طابعًا خاصًا لا يمكن أن تقدمه رسالة بريد إلكتروني، أو رسالة نصيّة، أو خطبة متلفزة .

جاءت إحدى هذه الرسائل عام 2006 من دير السريان إلى منزلنا في القاهرة، قبل أن يتم ترسيم بيشوي. أرسلها الأب أبادير للتعبير عن تعازيه في وفاة والد بيشوي، لمعي منسي ميخائيل. على مثال الأسقف صموئيل، افتتح الأب أبادير رسالته بالكتاب المقدس نقلاً عن نشيد سليمان 4: 16 لتذكير بيشوي بالمكان الذي ذهب إليه لمعي – "ليأت حبيبي إلى جنته ويأكل ثمره النفيس" – وطلب من الروح القدس أن يعزيه ويعزي عائلته. لكنه اقرّ وشاركنا في حزننا قائلا:

"دموعي السخيه تشارك محبتكم عند فراق الوالد العزيز – أتمنى أن تكون مشاركة وجدانية لتخفف عنكم هذه التجربة القاسيه – لأني أحسب نفسي أحد أفراد الأسرة الغاليه - وان كنت لا أستحق".

Article continues below

تسأل بقية الرسالة عن ظروف مرض لمعي ووفاته، مع إدراك مدى صعوبة مشاركة هذه المعلومات فقال "أنا لا أجرؤ على الاتصال عبر الهاتف". واختتم بإرسال حبه وسلامه لوالدتنا وإخواننا، ووعد بإرسال رسالة إلى عائلة لمعي في كندا لمواساتهم .

عندما تمت إزالة جزء من فكه بسبب السرطان، قامت رسائل الأب أبادير بتوصيل ما لم يستطع توصيله بصوته. بعد وفاته في عام 2011، أصبحت رسائله شريان الحياة من السماء إلى متلقّيها – تُقرأ ويُعاد قراءتها ليس فقط لتشجيعهم ونصيحتهم، ولكن بسبب الارتباط الملموس للكاتب .

بالنسبة لأولئك الذين هاجروا من مصر إلى أراضي جديدة، حملت هذه الرسائل أيضًا رائحة المنزل والأصل. قد تفشل ذكرياتنا في استعاده أصواتهم وكلمات التشجيع، لكن الرسائل المكتوبة باليد تعيد إحياءهم مرة أخرى.

يمكننا إعادة قراءة رسائل البريد الإلكتروني، ولكن لا يمكننا لمسها كما يمكننا لمس الرسائل المكتوبة بالقلم والورق - نفس الورقة التي لمسها الكاتب. الرسائل المكتوبة باليد تتطلب الصبر، ولكنها اتصال مادي في أوقات الإحباط أو الوحدة أو الحزن التي لا يمكن استبدالها بتقنيات تكنولوجيه أسرع. ان الرسائل المكتوبة باليد في حد ذاتها، مقدسة.

فيبي فرج ميخائيل هي مؤلفه كتاب "ممارسه الفرح بطريقه عملية: سبع طرق لرفع روحك الي فوق من خبرة الكنيسة الأولى (مطبعه باركليت). ولدت في مصر ولكنها نشأت في شمال شرق الولايات المتحدة. وهي معلمة كتابة وكاتبة مستقلة وكاتبة مدونة Being in Community

بيشوي لمعي ميخائيل كاهن في كنيسة القديس أنطونيوس والقديس مينا القبطية الأرثوذكسية في إيست رزرفورد، نيو جيرسي. ولد وترعرع في السودان ومصر. وهو أيضا منسق خدمة الذياكونيين المرشومين للخدمه في منطقه الرئاسه الدينيه للكنيسه القبطيه الأرثوذكسيه في أمريكا الشمالية.

[ This article is also available in English. See all of our Arabic (العربية) coverage. ]